منذ منتصف القرن التاسع عشر، وصف التأريخ الكوستاريكي حملة الترانزيت بأنها مجرد حلقة عسكرية أخرى في الحرب ضد ويليام ووكر. ومع ذلك، فإن القراءة الاستراتيجية – وهي قراءة تحاور البنية التحتية واللوجستيات والجغرافيا السياسية – تكشف عن شيء أعمق من ذلك: من كان يسيطر على سان خوان كان يسيطر على أسرع ممر بين المحيطين في نصف الكرة الغربي قبل قناة بنما.
1. نهر سان خوان: شريان عالمي قبل أن يصبح حدوداً
بين عامي 1849 و1856، نقل طريق الترانزيت آلاف الركاب إلى كاليفورنيا في ذروة الاندفاع نحو الذهب.
هذا التدفق بين المحيطين حوّل النهر إلى
- الطريق الأكثر كفاءة بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ، قبل عقود من قناة بنما,
- ممرًا تجاريًا مهمًا للولايات المتحدة,
- نقطة خلاف بين القوى الأنجلوسكسونية,
- منطقة حدية لم تكن السيادة فيها قانونية فحسب، بل لوجستية أيضًا.
عندما قام ووكر بعسكرة الطريق وتحويل البواخر المدنية إلى سفن مسلحة، لم يعد سان خوان طريقًا تجاريًا: بل أصبح مسرحًا للحرب.
2. منعطف كوستاريكا: من الدفاع الإقليمي إلى التعطيل اللوجستي
ودخلت كوستاريكا الحرب لوقف التهديد الفيليبيني، لكن المنطق تغير على الأرض.
بمجرد عبور الحدود والتمركز على النهر، وجد الطابور الكوستاريكي فرصة استراتيجية غير مسبوقة: قطع سلسلة العدو اللوجستية في أكثر نقاط ضعفه – المياه.
إتقان سان خوان يعني:
- تعطيل إمداد قوات العدو وحركتها,
- تفكيك قدرة المماطلة على الاستمرار في نيكاراغوا,
- سد الطريق الذي يربط بين محيطين,
- إظهار السيادة “الوظيفية” من خلال
السيطرة المادية على الممر، وهو ما يمكن أن نطلق عليه اليوم السيطرة التشغيلية.
وتمثل هذه الخطوة – الاستيلاء على البواخر، واتخاذ المواقع، وإعادة تشكيل التنقل – اللحظة التي تتحول فيها الحملة الدفاعية إلى عملية ذات إسقاط نصف كروي.
3 – البواخر التسع: أكثر من السفن، والبنى التحتية الاستراتيجية
لم يكن الاستيلاء المتتالي على البواخر رمزًا، بل كان بمثابة بنية تحتية متوقفة عن العمل.
كل سفينة تمثل:
- النقل العسكري
- النقل المدني,
- الحراك الاقتصادي,
- القدرة التفاوضية للجهات الفاعلة الخارجية.
من من منظور معاصر، فإن انتزاع تسع بواخر من العدو اليوم سيكون بمثابة تحييد أسطوله اللوجستي بأكمله والوصول إلى موانئه الرئيسية.
كان التأثير الاستراتيجي هائلاً ومع ذلك لم يُدرج إلا قليلاً في السرد الوطني فيما بعد.
4- ما أهمية ذلك اليوم؟
لأن النسيان لم يلغِ تجاوز الحدث: إن الاستمرار في عدم دمج تجربة سان خوان كقاعدة استراتيجية يحد من فهم الممر بين المحيطين في الوقت الحاضر، في الوقت الذي يتم فيه الحديث مرة أخرى عن التواصل العالمي والبنية التحتية والقوى المهتمة الجديدة.
تُظهر حملة العبور أن كوستاريكا كانت في يوم من الأيام بطلاً بين المحيطات، لكن تلك الذاكرة لم تصبح عقيدة لا أكاديمية ولا حكومية.
كان لغيابهم عواقبه:
- وزنًا أقل في المفاوضات الدولية,
- الضعف الجدلي في النزاعات الحدودية,
- الفشل في الاستفادة من السوابق التاريخية في الدبلوماسية المعاصرة,
- صعوبة في وضع نفسها كفاعل استراتيجي في المشاريع المستقبلية.
5. من النهر إلى المستقبل
إن فهم سان خوان كمساحة استراتيجية، وليس فقط كحدود، يفتح الأفق من جديد:
- بنية تحتية لوجستية متجددة,
- ممرات بديلة في عالم مجزأ,
- التعاون الثنائي بدلاً من النزاع الدوري,
- الذكريات المشتركة بدلاً من الصمت المتوازي.
لا يكمن المفتاح في العودة إلى القرن التاسع عشر، بل في استعادة الدرس الاستراتيجي الذي تركه ذلك القرن دون أن يترسخ: الماء كفضاء للذاكرة والسيادة وإسقاط المستقبل.